الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
161
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عدل عن جوابهم بالحرمان من الخروج إلى ذكر سبب وقوعهم في العذاب ، وإذ قد كانوا عالمين به حين قالوا : فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا [ غافر : 11 ] ، كانت إعادة التوقيف عليه بعد سؤال الصفح عنه كناية عن استدامته وعدم استجابة سؤالهم الخروج منه على وجه يشعر بتحقيرهم . وزيد ذلك تحقيقا بقوله : فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ . فالإشارة ب ذلِكُمْ إلى ما هم فيه من العذاب الذي أنبأ به قوله : يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [ غافر : 10 ] وما عقب به من قولهم : فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [ غافر : 11 ] . والباء في بِأَنَّهُ للسببية ، أي بسبب كفركم إذا دعي اللّه وحده . وضمير بِأَنَّهُ ضمير الشأن ، وهو مفسر بما بعده من قوله : إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ، فالسبب هو مضمون القصة الذي حاصل سبكه : بكفركم بالوحدانية وإيمانكم بالشرك . و إِذا مستعملة هنا في الزمن الماضي لأن دعاء اللّه واقع في الحياة الدنيا وكذلك كفرهم بوحدانية اللّه ، فالدعاء الذي مضى مع كفرهم به كان سبب وقوعهم في العذاب . ومجيء وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا بصيغة المضارع في الفعلين مؤوّل بالماضي بقرينة ما قبله ، وإيثار صيغة المضارع في الفعلين لدلالتهما على تكرر ذلك منهم في الحياة الدنيا فإن لتكرره أثرا في مضاعفة العذاب لهم . والدعاء : النداء ، والتوجه بالخطاب . وكلا المعنيين يستعمل فيه الدعاء ويطلق الدعاء على العبادة ، كما سيأتي عند قوله تعالى : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ في هذه السورة [ 60 ] ، فالمعنى إذا نودي اللّه بمسمعكم نداء دالا على أنه إله واحد مثل آيات القرآن الدالة على نداء اللّه بالوحدانية ، فالدعاء هنا الإعلان والذكر ، ولذلك قوبل بقوله : كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ، والدعاء بهذا المعنى أعم من الدعاء بمعنى سؤال الحاجات ولكنه يشمله ، أو إذا عبد اللّه وحده . ومعنى كَفَرْتُمْ جدّدتم الكفر ، وذلك إمّا بصدور أقوال منهم ينكرون فيها انفراد اللّه بالإلهية ، وإمّا بملاحظة الكفر ملاحظة جديدة وتذكر آلهتهم . ومعنى : وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا إن يصدر ما يدل على الإشراك باللّه من أقوال زعمائهم ورفاقهم الدالة على تعدد الآلهة أو إذا أشرك به في العبادة تؤمنوا ، أي تجددوا الإيمان بتعدد الآلهة في قلوبكم أو تؤيدوا ذلك بأقوال التأييد والزيادة . ومتعلّق كَفَرْتُمْ و تُؤْمِنُوا محذوفان لدلالة ما قبلهما . والتقدير : كفرتم بتوحيده وتؤمنوا بالشركاء .